Wednesday, October 30, 2019

ما سر التفوق الإيطالي في صناعة الحقائب ذات الشهرة العالمية؟

حمل الإنسان الحقائب منذ أن احتاج لنقل ممتلكاته، ولا سيما أدواته، من مكان لآخر. وتكشف النقوش الصخرية التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ في شمالي أستراليا عن صورة لما يشبه المحارب يحمل على كتفه حقيبة. كما حمل رجل الجليد "أوتزي" حقيبة الظهر منذ 5,300 عام ووضع جرابا يتصل بحزام جلدي. وعلق الجنود الرومان قديما على أكتافهم حقائب جلدية تشبه حقائب اليد للرجال التي نراها في المتاجر اليوم.

لكن شتان ما بين هذه الحقائب وبين الحقائب الفاخرة التي تصنعها دور الأزياء العالمية اليوم، رغم أن هذه الحقائب القديمة كانت تصنع بمهارة يدوية فائقة.

وتمثل دقة الصناعة اليدوية إحدى السمات الرئيسية التي تميز تاريخ الحقائب اليدوية، منذ بداية ظهورها وحتى عصر الاقتصاد الصناعي الحالي، ولا سيما بعد أن اكتسبت الحقائب قيمة جمالية تجاوزت قيمتها العملية. واليوم، ما برحت إيطاليا، كما هو الحال منذ عقود، القلب النابض لتجارة الحقائب المصنوعة يدويا.

وتعد شركة "ستوديو سارتا"، المطلة على ميناء باليرمو بجزيرة صقلية، واحدة من بين 4,500 شركة للمصنوعات الجلدية في إيطاليا. وقد أسس هذه الشركة الأخوان فابيو وجيورجيا غايتا في عام 2017. وتتميز حقائب "سارتا" بأناقتها وفخامتها.

وتواكب الشركة التطورات الحديثة، إذ تروج لمنتجاتها عبر موقع إنستغرام، حيث تنشر على صفحتها صورا جذابة لحقائب تتماشي مع الخلفية الطبيعية المتقلبة أو الديكورات الفخمة.

وتعتمد سارتا على المهارة اليدوية الإيطالية التقليدية، وتستخدم الجلد المُطعم بالخوص المغزول يدويا، الذي يستخدم في تصنيع الكثير من الحقائب في صقلية.

وتُنفذ كل خطوة في عملية تصنيع الحقائب، من التصميم إلى الإنتاج، يدويا. وفي مدبغة الجلود بإقليم توسكانا، ينظف العمال الجلود ويضعونها في برميل ضخم مملوء بالصبغات النباتية ثم يقلبونها معا. وتستغرق هذه العملية وقتا أطول بخمس مرات مقارنة بالدباغة الصناعية.

وتقول جورجيا، إن تجفيف الجلود وصبغها يدويها يكسبها لونا مميزا عتيقا. وتعود جذور الدباغة النباتية إلى عصور ما قبل التاريخ، لكنها تشهد ازدهارا كبيرا في توسكانا.

وعندما تصل الجلود المدبوغة إلى سارتا تُقطع وتُخاط مع الخوص وفقا لتصميمات جيورجيا. ولاقى هذا المزيج من المهارة اليدوية والتصميم المعاصر رواجا كبيرا لدى الزبائن، إذ باعت الشركة في عامها الأول 200 حقيبة فقط، والآن تبيع 1,000 حقيبة سنويا، معظمها لزبائن من إيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة، وتأمل في السنوات المقبلة أن تتوسع في الصين.

تعد صناعة الجلود تقليدا قديما ضارب الجذور في التاريخ الإيطالي، إلى حد أن الكثير من دور الموضة الكبرى بدأت بتصنيع المنتجات الجلدية، رغم أنها تشتهر الآن بإنتاج طيف واسع من المنتجات.

إذ بدأ دار أزياء "برادا" الشهير كمتجر للمصنوعات الجلدية في ميلانو عام 1913، وكان "غوتشي"، متجرا للمنتجات الجلدية في فلورنسا عام 1921. وفي السبعينيات من القرن الماضي، لمع اسم دار أزياء "روبرتو كافالي" بسبب ابتكار أساليب للطباعة على الجلد، وإن كان يشتهر الآن بالجينز الباهت والأقمشة زاهية الألوان.

وكانت الحقائب قبل الحرب العالمية الثانية تصنع في مناطق عديدة، منها فرانكفوررت وجينيف وباريس وبعض أجزاء من إنجلترا. لكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، تطورت صناعة الأزياء وأصبحت تعتمد على الآلات، وترافق ذلك مع ازدياد الحاجة لإنتاج سلع على نطاق واسع. وكان الحل الأمثل هو وجود جميع العناصر الضرورية، من صناع النسيج إلى المصممين والموزعين، في مكان واحد، وهذا المكان هو إيطاليا.

وفي الستينيات من القرن العشرين، استفاد الإيطاليون من اقتصادهم المزدهر ومن انخفاض سعر السلع الإيطالية مقارنة بمثيلاتها في سائر البلدان الأوروبية، وبسطوا هيمنتهم على السوق، على حد قول إليزابيث باتون، المراسلة الصحفية بصحيفة نيويورك تايمز.

وتقول باتون: "إن شعار 'صُنع في إيطاليا' من أقوى الشعارات التجارية في العالم، ويحظى بمكانة خاصة في نفوس الناس في أنحاء العالم. وهذه السمعة العالمية التي اكتسبتها إيطاليا بسبب براعة حرفييها المهرة وجودة التصميمات ساعدتها في أن تصبح القلب النابض لصناعة المنتجات الفاخرة".